المقال السابق
|
أرسل هذه المقالة الى صديق
|
إطبع هذه المقالة
|
             
|
انتقال السلطة!
|
لم يعد من المجدي تحليل أسباب "الإخفاق الكويتي الشامل"، فمن الواضح أن السبب الأساسي لهذا الإخفاق يتلخص في "أزمة الكفاءة" في الإدارة السياسية، وهي أزمة يستحيل حلها لأنها مرتبطة "بأشخاص" أكثر من ارتباطها "بأفكار". وبالنظر إلى العوامل الشخصية المتصلة بالمعنيين، مثل السن، الخبرة النوعية، القدرة على التعلم، القدرة على اكتساب خبرات جديدة، الثقافة العامة، القدرة على استيعاب التطورات التكنولوجية والفكرية، إضافة إلى القابلية للتغير والتطور والتأقلم مع ذلك كله... بالنظر إلى ذلك، يصبح تصور إمكانية تطوير الكويت، بإدارتها السياسية الحالية، ضرب من الوهم! ومرة أخرى أردد ما سبق أن ذكرته مرات عدة: مشكلة الكويت هي إن إمكاناتها وما تستحقه وطموح نخبتها، يفوق القدرة الذاتية لإدارتها السياسية. إن الإدارة السياسية الحالية تقدم أقصى ما تملك من قدرة، ومن الواضح أنه ليس بإمكانها تقديم المزيد. لذلك، وعوضا عن "رفع" مستوى تلك القدرات الذاتية بشكل عام، نراهم "يجرون البلد" نحو ما يتناسب مع مستوى قدراتهم الذاتية!
إن الكارثة القائمة هي أن المستوى الحالي للقدرة الذاتية لا يصلح لإدارة دولة على الإطلاق. من هنا تشهد الكويت تراجعات حادة على كل مستوى، وها نحن نكاد نصل إلى مستوى الدولة "الفاشلة" وفقا للمعايير التي أوضحها الكاتب القدير الأخ أحمد الديين في مقاله القيم الذي نشره في صحيفة "عالم اليوم" بتاريخ 17 أغسطس الحالي بعنوان "اقتربنا من الدولة الفاشلة". ومع أنني لست من الذين يحبون الرهان، إلا أنني أراهن بكل ما لدي أن رد فعل الإدارة السياسية على مقال الأخ أحمد الديين وما تضمنه من معلومات هو "ما عنده سالفة"، هذا إذا كان هناك رد فعل ما!
وإذا كنت قد كتبت وغيري أيضا الكثير من المقالات على مدى سنوات نحاول تحفيز الإدارة السياسية أو تنبيهها أو تقديم أفكار جديدة أو توجيه الانتقاد إلى تصرف قامت به، فإن هذا كله يأتي تحت مظلة "الأمل" في التغيير... بيد أن هذه المظلة هي، في الواقع، مظلة "وهمية" آمنا بوجودها من أجل تبرير ما نكتب!
إن إدراك الإدارة السياسية ضعف كفاءتها، يدفعها حتما إلى تجاهل الانتقادات التي توجه إليها، وتجاهل كل ما يرد في الدراسات والتقارير من تنبيهات واقتراحات، ويدفعها إلى التمسك بشدة بالأسلوب التقليدي في الإدارة القائم على القرار الفردي وادعاء المعرفة وتسطيح الانتقادات، بل وعدم الاكتراث بالدراسات العلمية! ذلك أن التخلي عن الأسلوب التقليدي والاعتماد، في إدارة الدولة، على الدراسات وعلى الأسلوب العلمي يعني باختصار انتقال السلطة الفعلية من اليد الحالية إلى يد أخرى تجيد التعامل مع الدراسات والأساليب العلمية في الإدارة، وهذا أمر لا يمكن أن يقبل به من تربى واعتاد على ممارسة الإدارة الشخصية.
ولا يعني ما سبق أن الإدارة السياسية لا تستعين بحملة الشهادات العليا وأصحاب الاختصاص، بل يفيد الواقع أنه، وفي العديد من المواقع الاستشارية والتنفيذية، تتم الاستعانة بأشخاص يحملون أعلى الشهادات... مع ذلك، ومع الأسف، فإن ما يحدث هو أن تلك الاستعانة إما أن تكون "شكلية" بحيث لا يمنح الشخص المؤهل أي هامش من التأثير، أو أن "صاحب الشهادة" سرعان ما ينخرط في "الأجواء" وينسى شهادته أو يستبدلها بشهادة "النفاق والتنكيت" ثم الانضمام إلى عضوية نادي الفساد! وبالتالي فإن النتيجة النهائية هي لاشيء... فقدرة الإدارة السياسية التقليدية على فرض "قواعدها" وتجنيد أصحاب الشهادات، قدرة فائقة تمتزج بإغراء المنصب أو بإغراء المال!
بعد هذا كله.. يبقى السؤال قائما: ماذا نفعل كي نقنع الإدارة السياسية بضرورة التخلي عن الأسلوب التقليدي؟ ماذا نفعل كي نتمكن من تحقيق الطموح الذي يتناسب مع إمكانات الكويت والذي يستحقه المواطن الكويتي؟
لا أعلم. لكن لابد من الانتباه إلى أن الخطاب السائد حاليا لدى الشعب والقوى السياسية والكتاب، بل والسائد حتى في الديوانيات، هو خطاب معتدل حتى وإن حمل نبرة عالية من التذمر أو الانتقاد، وكل ما أخشاه هو أن يأتي يوم ينتعش فيه الخطاب المنفعل المتطرف.. فوسط حالة التذمر من الإخفاق العام في الدولة، لا أحد يعلم كيف تسير الأمور، ومن السهل جدا تأسيس أفكار "متطرفة" تنطلق من حقيقة اقترابنا من مرتبة "الدولة الفاشلة"!
|
|
23/8/2008
|
|